جلال الدين السيوطي
70
الأشباه والنظائر في النحو
بإحدى النونين من الأخرى ، ولم يكن في البحرين إلّا نون واحدة فقالوا : بحرانيّ ، فقلت : أصلح اللّه الأمير ، كيف ينسب رجلا من بني جنّان ؟ يلزمه أن يقول : جنّيّ لأنّ في جنّان نونين ، فإن قال ذاك فقد سوّى بينه وبين المنسوب إلى الجنّ ، قال : فقال المهدي : فتناظرا ، فتناظرنا في مسائل حفظ قولي وقوله إلى أن قلت له : كيف تقول : « إنّ من خير القوم وأفضلهم أو خيرهم بتّة زيد » ؟ قال : فأطال الفكر لا يجيب بشيء ، قلت : أعزّ اللّه الأمير ، لأن يجيب فيخطئ فيتعلم أحسن من هذه الإطالة ، قال : فقال : « إنّ من خير القوم وأفضلهم أو خيرهم بتّة زيدا » ، قال : فقلت : أصلح اللّه الأمير ، ما رضي أن يلحن حتى لحن وأحال ، قال : فقال : كيف ؟ قال : قلت : لرفعه قبل أن يأتي لإنّ باسم ونصبه بعد رفعه ، قال : فقال شيبة بن الوليد : أراد بأو ، بل فرفع ، قال : فقلت : هذا معنى ، قال : فقال الكسائي : ما أردت غير ذلك ، قال : فقلت : فقد أخطأا جميعا أيّها الأمير ، لو أراد بأو بل لرفع زيدا لأنه لا يكون : بل خيرهم زيدا . قال : فقال له المهدي : يا كسائي لقد دخلت عليّ مع مسلمة « 1 » النحوي وغيره فما رأيت كما أصابك اليوم ، قال : ثم قال : هذان عالمان ، ولا يقضي بينهما إلّا أعرابيّ فصيح تلقى عليه المسائل التي اختلفا فيها فيجيب ، قال : فبعث إلى فصيح من فصحاء الأعراب ، قال أبو محمد : فإلى أن يأتي الأعرابي أطرقت ، وكان المهدي محبّا لأخواله ومنصور بن يزيد حاضر ، فقلت أصلح اللّه الأمير ، كيف ينشد هذا البيت الذي جاء في هذه القصيدة : [ المنسرح ] يا أيّها السّائلي لأخبره * عمّن بصنعاء من ذوي الحسب حمير ساداتها تقرّ لها * بالفضل طرّا جحاجح العرب فإنّ من خيرهم وأكرمهم * أو خيرهم بتّة أبو كرب فقال المهدي : كيف تنشد أنت ؟ قال : فقلت : أو خيرهم بتّة أبو كرب على معنى إعادة ( إنّ ) ، قال : فقال الكسائي : هو قالها الساعة ، أصلح اللّه الأمير ، قال : فتبسم المهدي وقال : إنك لتجيد له وما تدري ، قال : ثم اطّلع الأعرابي الذي بعث إليه ، فألقيت عليه المسائل وكانت ست مسائل فأجاب فيها بقولي ، فاستفزعني السرور حتى ضربت بقلنسوتي الأرض وقلت : أنا أبو محمد ، قال : فقال شيبة بن الوليد : يتكنّى باسمك أيّها الأمير ! فقال المهدي : واللّه ما أراد بذلك مكروها ،
--> ( 1 ) مسلمة بن عبد بن سعد بن محارب الفهري النحوي : من أئمة النحو المتقدّمين ، أخذ النحو عن خاله عبد اللّه بن أبي إسحاق ، ثم صار مؤدّبا لجعفر بن أبي جعفر المنصور ( انظر بغية الوعاة 2 / 287 ) .